عن الألعاب

دراسة جودة: LA Noire

تعتبر LA Noire من تحف الجيل الماضي المنسية، ممكن عشان أسلوبها الفريد من نوعه، كونها لعبة تحقيقات، وتقريبًا الأكبر من النوع ده من الألعاب، علي الرغم من كون ألعاب التحقيقات شيء مش منتشر بشكل كبير، أو مابيتجهش له شركات بحجم روكستار، أو ممكن عشان تصميم عالمها اللي يبدو لك سطحي ومفيهوش حاجة تتعمل مقارنة بألعاب روكستار التانية المفعمة بالحيوية في عالمها، ولكن كل ده مايقللش من حقيقة كونها واحدة من أكتر الألعاب اللي حبيتها في تاريخي مع الجيميج، وكونها مصممة بكمية مهولة من الإخلاص، والشغف نحو فكرة ألعاب التحقيق، خلاها لعبة ثورية لوقتها، بتتحول لكلاسيكية مع كل سنة بتمر، فيا تري ليه؟ وإيه اللي فيها يخليني أقولك فيها الشعر ده كله في المقدمة؟

الألعاب اللي زي LA Noire هي اللي اخترت أكون بكتب مقالات عشانها، لعبة ممتعة، فيها أفكار فريدة من نوعها، بتشعرني بالإلحاح الشديد إني أطرح وجهة نظري وتفسيري لكل أركان اللعبة علي القراء، عشان يستوعبوا حاجات مكنوش شايفنها.
للأسف مستقبل اللعبة مظلم لأنها محققتش النجاح التجاري المتوقع، وكمان نالت من الستوديو المطور حرب إعلامية بسبب تسريبات عن أجواء سامة في بيئة التطوير، ممكن نتكلم عنها في مقال منفصل، ولكن دلوقتي، إحنا هنا لتحليل كل عناصر اللعبة العظيمة اللي قدامنا.

القصة في اللعبة تعتبر قصة أفلام من نوع Noire كلاسيكية، واللي مايعرفش الأفلام دي عبارة عن هي، هي أفلام جريمة بأسلوب تصوير، وإخراج معين كانت في ذروتها من الأربعينات، للتمانينات في هوليوود، واللعبة تعبر امتداد لنفس الاتجاه الفني والإخراجي للأفلام دي في عالم الألعاب، وده كان سر إنجذابي ليها وقت الإعلان عنها، والقصة كانت أحد الجوانب المتاثرة بالأفلام دي، وأكتر فيلم حسيت بتأثر اللعبة بيه كان فيلم China Town و جزؤه التاني Two Jakes بطولة العظيم Jack Nicholson. وبالتالي قصة اللعبة بتحكي عن قضايا فساد، بيتم الكشف عنها واحدة واحدة خلال قضايا بتقابل البطل، كول فيلبس اللي بيكون راجع من الحرب العالمية التانية، بنصيبه من المشاكل النفسية، والتحديات اللي بيواجهها، وبتحس بيها خلال وقته كمحقق. لكن هو مابيبدأش كمحقق كبير، بيبدأ كشرطي دوريات، وبيطلع سلم الترقيات مع كل قضية بيحلها، واللي بيتمثل في مكتب المرور، ويليه مكتب جرائم القتل، ومكتب الدعارة والمخدرات، و الحرائق المُفتعلة. كل مكتب من دول له مجموعة القضايا الخاصة بيه، والرفيق اللي بيبقي معاك في كل قضية خاصة بالمكتب، وبيكون زي مرايا لرحلة شخصية البطل اللي بتطور، وبتتغير نتيجة للي بيحصل حواليك في العالم، والقضايا اللي بتشوفها، وبتدور دايمًا بنهم مناقشات كانت مكتوبة بشكل عظيم، واستمتعت بكل واحدة منهم، خصوصًا إن هما نفسهم شخصيات مكتوبة حلو وكانوا مثيرين لاهتمامي إني أكتشفهم أكتر وأكتر.

شخصية كول فيلبس هي شخصية مركبة، مشوفتش زيها كتير في عالم الألعاب، ساعات أفعاله بتبان باردة، وكلامه بيبان قاسي أو متطرف تجاه بعض ظواهر المجتمع، لكن في نفس الوقت عنده جانب إنساني كبير، وحس عالي للصح والغلط، حتي ولو اخطأ ساعات، وده بيخليه دايمًا عنده نزعه إندفاعية تجاه مواخقف خطيرة، لمجرد محاولته إثبات إن جانب الخير جواه أكبر. في بداية اللعبة مكنتش حابب أسلوبه مع الشخصيات الجانبية ولكن لما اتعرفت عليه أكتر وأكتر عرفت قد إيه الشخصية دي مكتوبة بحرفية شديدة، فكرتني بشخصية ليوناردو ريدكابريو في فيلم The Departed للمخرج العظيم مارتن سكورسيزي.

كل اللي قولتهولك فوق يوحي إن اللعبة دي مهتمة بالقصة أكتر من الجيم بلاي، ولكن بالعكس ، أنا كنت معجب إعجاب شديد بفهم المطور العميق، لفكرة إن مهما كانت القصة مهمة، ومكتوبة حلو، ده لا يحق لك إنك تسحب من اللاعب متعة “اللعب” ففي الآخر انا مش جاي أتفرج علي فيلم، والمطور بيكون أفضل كلما استطاع الدمج بين الجيم بلاي والقصة، زي ما حصل في لعبة God Of war، وكل ما استطاع جعل القصة أكثر تفاعليه.
وهنا ففكرة التحقيق كانت بمثابة العنصر اللي خلي القصة تندمج مع الجيم بلاي بطريقة ممتازة. انت اللي بتقرر مين مذنب، ومين بريء، وبناءًا علي كده بيتم فتح أحداث كاملة من القصة، أو قفلها، بناءًا علي قرارك. مفيش قرار صح وقرار غلط، لو شكيت في حد من حقك تتهمة، ولو مش مقتنع بالدلائل، من حقك تدور علي دلائل تانية أو تعيد استجواب المتهمين. الموضوع اتعمل بعد LA Noire في ألعاب تحقيقي تانية، ونظام الاختيارات ده بقي نظام متعارف عليه حاليًا، ولكن في La Noire بالذات، هو متنسق مع القصة بشكل عظيم، ودايمًا الدلائل بتناقض نفسها، وعليك إنك تحدد أنهي دليل اللي ممكن تتجاهله، وأنهي ما ينفعش.

أسلوب اللعب معتمد بشكل كبير علي التحقيق، بتخش مسرح الجريمة تدور علي دلائل، وكل دليل بتدون بيه ملحوظة في نوته بتكون معاك، يا إما الدليل بيبقي مهم، وبياخك لطرف خيط تاني متمثل في شخص أو مكان جديد بتروح تحقق فيه، يا إما بيبقي دليل غير مجدي، وبيتم استبعاده من قايمة الدلائل المهمة، عشان ده التدوير كويس قبل الاستجواب شيء مهم جدًا، وكمان اللعبة ابتكرت أسلوب مبدع لاستخدام الصوتيات، وهو إن لما بتقدر من دليل حاسم بيحصل صوت معين، أو تغيير في الموسيقي سهل متلاحظوش لو مش مركز، وده يعتبر واحدة من أذكي الأساليب اللي بتحول الصوت في الألعاب إلي شيء أكثر تفاعلية.
الدلائل اللي هتقودك لأماكن جديدة ممكن تبقي زي سلاح مثلًا عليه ماركة المكان اللي بيبيعه، وبتقوم بالاستعلام عن الأماكن اللي جابت ترخيض لسلاح مطابق خلال نافذه زمنية معينة، ومن بعده بتتجه للمحل اللي باع السلاح، وبتشوف قايمة الناس اللي اشتروا السلاح في وقت قبل الجريمة، وبعدين تتجه للشخص ده. ممكن الدلائل توصل لعلبة كبريت مابيتمش بيعها غير في مكان واحد بس في المدينة، أو نضارة شمس معروفة انها بتاعة شخص معين، وده حقيقي عنصر كان ممتع في اللعبة لإنها مش بتقولك امتي وفين ممكن تلاقي الحاجات دي وتوصل النقط ببعض، والرحية في الناحية دي بتبقي كبيرة إلي حد ممتاز، لكن طبعًا مش حرية مطلقة تتؤدي للخبطة زي اللي شوفناها في لعبة تحقيق اسمها The sinking city.

أسلوب اللعب مش بس تحقيق، وتدوير علي الأدلة، واستجواب، ولكن دول العناصر اللي كانت جديدة علي ألعاب روكستار، وتم تفديمها بعمق يليق بروك ستار، ولكن عناصر لعب تانية موجودة، زي حل الألغاز، واللي كانت قليلة لكن ممتعة إلي أبعد الحدود، والشوتينج، والسواقة. السواقة كانت نمطية إلي حد كبير، لأن المدينة مكنتش حيوية بالقدر الكافي، لكنها كانت أداء لتقديم حوارات الشخصيات اللي أشرت ليها سابقًا في كلامي. وانت رايح أو راجع من أي تحقيق، أو مسرح جريمة، بتدور حوارات عميقة، وعظيمة بين البطل ورفيقه في التحقيق، ودي أكتر الجوانب اللي عجبتني في القصة.

بما إنك فرد من أفراد من أفراد الشرطة، فاستخدام الأسلحة النارية مش هيكون بحرية كاملة زي Gta مثلًا، ولكن لحظات المعارك النارية بتكون قوية، وشبيهة بلعبة مافيا، ويكفي إني أقولك إن نظام التصويب هنا (خلي بالك إن اللعبة من 2011) هو هو نظام تصويب Gta v بالإضافة للcovering system المتقن جدًا. وللي مايعرفش، نظام التصويب في اللعبتين يعتبر نسخة معدلة من نظام Max Payne 3، ودي لعبة تانية مش واخدة حقها هنبقي نتكلم عنها في مقال منفصل.

لو في عيب وحيد هتكلم عنه في اللعبة فهو المطاردات، واللي كان أغلبها نفس الشيء، وفيها حرية ضئيلة جدًا في الأساليب اللي ممكن تخلص بيها، بجانب إن الأماكن اللي كان بيتم فيها المطاردات كانت شبه بعض، ومفتوحة، ومفيش أي نوع من أنواع التفاعلية مع البيئة، كان نفسي مثلًا أشوف إمكانية الاستعانة ببعض عناصر البيئة عشان تنجح إنك توقف اللي بتطارده، أو نظام قتال بالعربيات، أو حتي إمكانية التصويب علي العجلات ! العيب ده مكنش كبير خالص في اللعبة، ومش مؤثر بالعكس لمطاردات كانت لطيفة لكن كان هيفرق كتير إضافة لمسات ابداعية بحيث تخلي تجربتي مختلفة عن تجربة غيري بأكبر قدر ممكن، ولما اتنين لعبوا اللعبة يقعدوا مع بعض يفضوا يتناقشوا في الاختلافات بين تجربتهم، وده شيء بيعرف يعمله أغلب المطورين الناجحين، وبيفرق مع اي لعبة.

الأجواء في اللعبة مشابهة تمامًا لأفلام الNoire اللي اتكلمت عنها فوق.بما إن القصة أحداثها بتدور في أواخر الأربعينيات، فطبيعي هيبقي في إشارة للحرب العالمية التانية، وكله بيحكي تجاربه معاها، وسبب تسريحه من الخدمة، أو رجوعه، أو حتي تكريمه. وبما إنك في مدينة Los Angeles فبالتالي هتشهد قضايا مخدرات كتير، وتنظيمات تجارة بشر، ومخدرات علي مستوي كبير لأن الحقبة دي انتشر فيها الاتنين دول، بجانب إن لوس أنجلوس كانت أكبر المدن في الدعارة والمخدرات.
ومنناش إن ده كان بداية العصر الذهبي لهوليود، وبالتالي هتصادف قصص جانبية كتير خاصة بنجمات صغيرين تم استغلالهم من مخرجين، عن طريق وعود بإنهم هيبقوا نجوم كبار، أو ناس فشلوا وأصابهم الاكتئاب، أو نجوم بيتاجروا في المخدرات فيما بينهم. كل دي حاجات جسدتها اللعبة، بشكل عظيم وجميل، مناسب للحقبة التاريخية، ومناسب لأجواء الNoire اللي اللعبة نقلت أقل تفاصيل خصائصه البصرية (غموض-موسيقي هادية – كادرات بسيطة ومضلمة شوية). الأجواء في اللعبة كانت أحد أفضل جوانبها، ولكن ده مش معناه إن العالم تفاعلي، ويمك ندي أحد سلبيات اللعبة، إن مفيش حاجة تتعمل بعد ما تخلص القصة، والعالم ما هو إلا أداه لسردها فقط لا غير.

في وقت تطوير اللعبة، المطور شاف إن الأساليب العادية في نقل تعابير الوشوش، وتصميم الشخصيات هتبقي غير كافية لتجسيد التجربة اللي هم عايزنها، ومن هنا ظهرت الحاجة لتقنية جديدة علي وقتها، من الMotion Capture لكل عضلات والوش، بدقة كبيرة، تخليك تقدر تحس بالشخص اللي بيكدب من خلال توتره، وحركة عنيه ووشه، أو تحس بصدقه، وتخليك طبعًا تعيش أكتر مع القصة، ولكن الطموح الزايد ده يمكن يكون هو اللي سبب المشكلة اللي خلتنا مانشوفش جزء تاني للعبة، وهي إن التكنولوجيا دي اتصرف عليها كتير، وتم عمل عدد مهول من جلسات التصوير، وبالتالي الناشر كان كل ما يدفع اكتر، يكبر عنده رغبة نجاح اللعبة وتحقيقها أرباح أكتر، وعلي الرغم من نجاح اللعبة نققديًا ومبعيًا، لكن الناشر -روكستار- شاف إن اللعبة ماحققتش أرباح أو ضجة كافية تخليه يكمل بيها. حاليًا كل الاحتمالات مفتوحة، وأنا شخصيًا أتمني أشوف جزء تاني، لكن مايكونش بجودة أقل.

في النهاية:

لعبة LA Noire هي أحد أفضل ما تم تقديمه من ألعاب الجريمة، وواحدة من مفضلاتي الشخصية من ألعاب روكستار، ولكنها يمكن مش لأي حد، لإنها مش مجرد لعبة عالم مفتوح، دي لعبة تحقيق، واختيارات، معتمدة علي الحوارات أكتر من الشوتينج والسواقة، وبكل الأحوال لا يمكن تتقارن بسلسلة Gta لأنهم مختلفين.

القصة اتقدمت بشكل عظيم، في قالب سردي (العالم) أكتر من رائع، ومتعوب في تصميمه بصريًا و حركيًا، بحيث يقدملك كل أجواء الحقبة التاريخية اللي كانت حافلة بالمظاهر، والتطور المجتمعي في مدينة عملاقة زي لوس أنجلوس. النتيجة إننا قدام لعبة كل ما بتقدم كل ما بتكون أجمل وأجمل، وبنعرف قيمتها أكتر، وأنصح أي حد إنه يلعبها أو علي الأقل يديها فرصة.

Mostafa Argoun

About Mostafa Argoun

محرر في مجال الألعاب منذ عام 2012 بعتبر الألعاب فن، وبحب ألعاب القصة والأر بي جي بشكل رئيسي